محمد غازي عرابي
1051
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
ذليل أصبح عزيزا ، فالمعادلة تقتضي أن يكون اللّه بالمرصاد ، حي لا تأخذه سنة ولا نوم ، فللإنسان حرية جزئية محدودة ضمن قوسي مفهوم اسمه الاسم ، والأسماء للّه ، واتجاه السير محدد فهو من أإلى ب : ومن ب إلى ج ، ثم من ج إلى د ، أو من د إلى أ ، واللّه بالمرصاد يرى أن تحقيق القصد يقتضي تحويلا وتصعيدا وتطويرا وتدخلا وإخراجا وقهرا وإحكاما ، ولهذا كان سبحانه كما قال كل يوم هو في شأن . فالكليات متحققات كما تسبح الكواكب في أفلاكها ، والإنسان كذلك كوكب سيار في فلكه ، له قصده وعليه تحقيق القصد ما دام هو صورة الرحمن ومظهر اللّه وصفته وفعله ، ولهذا نفت الصوفية وجود الإنسان ، وقالت لا موجود بحق إلا الحق ، وانكر ابن عربي أن يكون ثمت وجود ثان إلى جانب الوجود الإلهي ، فالاثنينية وهم وخداع ، وهي موجودة للتقليب ، والتقليب موجود للفتق والاختراع فسبحان من أعار عبده عواريه من القوى والصفات والأسماء ، وأطلقه في فلكه مسبحا له ، بل المخلوقات كلها مسبحة للّه خالقها ، واللّه القائل : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] . فعلى القدر أن يحقق مقصد القضاء ، فالقدر عبد القضاء ، وللعبد أن يغدو ويروح ويقوم ويقعد ويأكل ويشرب وينكح ويتكلم ، ولكنه عبد على أي حال ، والعبد في اللغة الإنسان ، والإنسان صورة الرحمن ، أنشد الإمام الشافعي ما شئت كان وإن لم أشأ * وما شئت إن لم تشأ لم يكن خلقت العباد على ما علمت * ففي العلم يجري الفتى والمسن على ذا مننت وذا خذلت * وهذا أعنت وذا لم تعن فمنهم شقي ومنهم سعيد * ومنهم قبيح ومنهم حسن وأنشد عبد الغني النابلسي : ليس المغني وليس الدف في يده * غير المصور فينا سائر الصور وكلها عدم يبدو الوجود بها * ويختفي عند مغرور ومعتبر هي التصاوير شاءتها الإرادة من * خير وشر ومن نفع ومن ضرر [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 31 إلى 42 ] سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ( 31 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 32 ) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ ( 33 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 34 ) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ ( 35 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 36 ) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ ( 37 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 38 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ( 39 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 40 ) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ ( 41 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 42 )